عماد الدين خليل
99
المستشرقون والسيرة النبوية
وفي أي اتّجاه ، ومن أجل أيّ هدف ، يعني التفريط بعصب العقيدة وضياع وجهها وملامحها . . ولذا كان صلى اللّه عليه وسلم - كما ذكرنا وكما أكّد وكرّر جلّ الباحثين في تاريخ النبوة - مستعدا للقاء مع قريش في كل شيء إلا في هذه ، وللحوار والانفتاح على أي شيء إلّا على هذه ، ولإقامة الجسور بين الأطراف كافة للوصول إلى أي شيء مشترك إلّا في قضية التوحيد المطلق الذي هو قاعدة الدين وعصب الدعوة ، وأساس العقيدة التي بعث لكي يحقّقها في العالم . وإذا حدث فيما بعد ، على المستوى الزمني ، أن تنزّلت آيات القرآن لكي تواصل البناء العقيدي ، وتمدّ آفاقه وتزيد معطياته غنى . . فإنّ هذا لا يعني حدوث تطور تدريجي بالمفهوم الغربي للتطور . . فإن الأساس العقيدي هو الأساس وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ظلّ على بيّنة من الأمر إزاء هذا الأساس ، وكل الذي كان يحدث هو إضافة معطيات جديدة تنبثق عن القاعدة نفسها وتبني على محورها الثابت الواضح . وثمة تفريق آخر يجب أن يكون واضحا في الأذهان : إنّ العقيدة غير الشريعة ، صحيح أن هذه تقوم على تلك وتنبثق عن مقولاتها ، وتكسب صيغها من معادلات العقيدة نفسها ، ولكنها تجيء فيما بعد تتضمّن حشدا من الجزئيات التنفيذية التي لم يكن النبي - أيّ نبيّ - يعرف عنها مقدما . . أمّا العقيدة فهي تصوّر أساسيّ شامل للكون والحياة والمصير ، فإن لم يكن النبي يعرف مقدما أبعاده وخصائصه وأسسه ؛ فكيف يبدأ دعوته مجابها بها الإنسان والعالم والطبيعة والتاريخ ؟ ! ولقد ناقشنا من قبل تهافت ما أسماه ( وات ) بالآيات الإبليسيّة التي تحكي عن اعتراف الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالأصنام مقابل اعتراف الجاهليّين باللّه الواحد ! ! وسقوطها بالضرورة . . ولكننا نرجع إليها مرة أخرى مضطرّين ؛ لأن ( وات ) يدافع من خلالها عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم دفاعا ملتويا لا ندري إن كان متعمدا خبيثا ، أم كان استمرارا طبيعيا لنظرية الغربيّين إياها عن التطور التدريجي للدين .